كيف نكون أشخاصاً نافعين ؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
كيف نكون أشخاصاً نافعين ؟ 





تفع الإنسان لأخيه الإنسان له أول وليس له آخر، فالإنسان قد يكون نافعاً في أي حال من الأحوال ومهما كانت هذه الحال، فالإنسان قد يفيد غيره بتعليمه كل ما هو جديد وكل ما يمتلكه من مهارات يرغب الشخص الآخر بتعلمها، بالإضافة إلى ذلك فإنه يمكن لأي شخص أن يكون شخصاً مفيداً نافعاً عن طريق أن يقوم هذا الإنسان بالتبرع للآخرين، بالإضافة إلى ذلك فإنه من الممكن لأي شخص أن يكون نافعاً بأن يكون إنساناً محباً للآخرين وهذه المحبة تستطيع أن تفعل العجب، إذ إنه يمكنها أن تقرب بين شخصين متباعدين لأسباب تافهة، كما يمكنها أن تعمر البيوت المهدومة عن طريق التوليف بين الناس، بالإضافة إلى ذلك فبإمكان الإنسان أن يكون نافعاً إن كان قادراً على التعامل مع الآخرين بطريقة جيدة وتسامح، فهذا الأمر هو الأساس في العلاقات البشرية، فالبشر لا يمكنهم نهائياً أن يتعاملوا مع بعضهم البعض بندية وحقد، فالحياة لن تستمر بينهم بشكل سوي وجيد.
الأنانية في مفهومها الشعبي المتعارف عليه هي حب الذات وإيثارها على الآخر وهذا المفهوم غالبا ما يتنافى والجانب الأخلاقي المجتمعي المتوارث لدى عامة الناس، وبالرغم من أن عديد الأبحاث العلمية والنفسية تعتبر الأنانية من المكتسبات إلا أن الشخص الأناني يظل دائما محل نبذ وانتقاد من عامة الناس، وفي أحيان كثيرة لا يفقه الشخص الأناني دوافعه في تفضيل نفسه عن غيره. 
والأنانية egoe، أو الأَثَرة حسب ما جاء في الموسوعة العربية، هي تفضيل النفس على الآخر؛ وهي نزوع طبيعي يمكن التغلب عليه بالأخلاق التي تمتدح الكرم والإيثار، وذلك من أجل إعادة التوازن إلى الفرد والمجتمع معاً.
وينحصر المعنى العام للأنانية، على المستوى الفردي ، في صورتين كلتاهما مرفوضة وشاذة من وجهة نظر الإنسان السويّ نفسياً واجتماعياً: أولاهما تتمثل في عجز الفرد عن النظر إلى العالم إلا من خلال مصالحه ومنافعه الخاصة أو الشخصية، وهذا المستوى هو الذي يمكن أن يطلق عليه اسم "الأنانية" بحصر المعنى، وتتمثل الثانية في تبني وجهة النظر الأولى مصحوبة بقدر أكبر من التشدد والغلو في التزام المصلحة الذاتية. وهذا ما يمكن أن يطلق عليه اسم "جنون الأنانية" الذي يُدل عليه بالمصطلحينegotism وegomania.
والأنانية في علم النفس هي حب الذات، والمراد بحب الذات هنا "النزوع الطبيعي الذي يحمل الإنسان على الدفاع عن نفسه وحفظ بقائه، وتنمية وجوده والميول الأنانية الناشئة عن هذا النزوع مقابلة للميول الغيرية ويطلق عليها أيضاً اسم الميول الشخصية أو الميول الفردية".
كما يمكن أن يقال عن الأنانية: "إنها الحالة التي تغلب فيها على الفرد دوافعه ورغباته الذاتية دون النظر إلى رغبات أو مصالح الآخرين، ومن ثم تتعارض مع الروح الاجتماعية حتى لو اتسع نطاقها، وصبغت اتجاه فريق من الأفراد"..
وتتخذ كثير من النظريات الأخلاقية من الأنانية أساساً لها. فمذهب اللذة في الفلسفة اليونانية قد أهاب بكل إنسان التماس أعظم قدر من السعادة، مهما كان نوع هذه السعادة، وبصرف النظر عما يمكن أن تكونه. وفي عصر النهضة الأوروبية قرر كل من هوبز واسبينوزا بطرق مختلفة أن حفظ بقاء الذات هو الخير.
وفي مقابل هذه الأخلاق الفردية تنهض الأخلاق التي تتخذ من الجماعة والمجتمع أساساً لها. ويتبنى هذا النوع من الأخلاق نظريات تشدّد على أهمية الجماعة بدلاً من التشديد على أهمية الفرد. وتحت هذا العنوان تندرج نظريات مثل النزعة العالمية عند الرواقيين، والأنساق الأخلاقية التي تركز على بقاء الأمة، والنفعية التي تستهدف أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس.
ومن الناحية الأخلاقية تطلق الأنانية أيضاً "على من لا يستهدف إلا نفعه الخاص، في حين أن الغيرية هي حب الغير وإرادة الخير له وتقديمه على النفس". ويطلق دوركهايم مصطلح الإيثار أو الغيرية على "المجتمع أو الجماعة التي يندمج فيها الفرد كلية، ولا تكون له مصالح مغايرة لمصالح الجماعة، وفي مثل هذه الجماعة يدرَّب أعضاؤها على ترك الفردية، وتقديم الواجب والطاعة بما يحقق رفاهية الجماعة قبل أي اعتبار آخر".
لكن ليس هذا السلوك سليماً دوماً إذا وصل إلى درجة نسيان الذات. فالعلماء اليوم ينصحون بالتفكير في النفس والاستمتاع بالحياة! إنه التفكير السائد في المجتمعات المعاصرة التي لم تعد تضحّي بمصلحة الفرد في سبيل مصلحة الجماعة.
لقد ولى وانتهى زمن التضحية والكرم وأصبح عصر حاتم الطائي مجرد أسطورة من الماضي! ومع هذا، لا يجيد الجميع الاعتناء بأنفسهم والإمتثال إلى رغباتهم وتلبية حاجاتهم بالطريقة الصحيحة، ويبقى الشعور بضرورة الالتزام بواجبات العمل والأسرة والأصدقاء أقوى من أي شعور آخر.
وقد يبالغ البعض في مراعاة الآخرين، فينسوا أنفسهم. إنها طريقة غير مباشرة يؤذي بها المرء نفسه! وهذا يعود إلى إرث ثقافي تربّى عليه ويرتكز على فكرة أنّ المعاناة أمر طبيعي والتضحية من أجل الآخرين واجب. نكرر هذه التصرفات غالباً بشكل لاواعٍ ولأسباب نجهلها في بعض الأحيان ومع ذلك نقوم بها. والشعور بالذنب يؤدي ومن دون سبب إلى بثّ إحساس بأننا لا نبذل ما يكفي من أجل الآخر وأننا نخفق في تطبيق الأمور. الخوف من إزعاج الآخرين أو من ردة فعلهم العنيفة يدفعنا إلى عدم رفض طلب رب العمل أو الأطفال أو غيرهم من الناس المقربين منا والذين نكن لهم عاطفة قوية. كذلك، تدفعنا الرغبة في كسب حب الآخرين إلى السعي لإرضائهم بأي ثمن مع المبالغة في ذلك أحياناً.
لكن في العمق، هل هذا شكل من أشكال الكرم؟ في الواقع، تساهم هذه النزعة إلى خدمة الآخرين في التعويض عن مخاوفنا وقلقنا، لكنها لا تمتّ للكرم بِصلة. لكنّ هذه الحالة لا تمنع المرء من خدمة الآخر ضمن حدود المعقول، إذ قد يكون العطاء لأسباب وجيهة: مساعدة شخص يعاني مشكلة مالية أو نفسية أو التعاون مع زميل في العمل. يتطلّب هذا الأمر بذل الوقت والطاقة، لكنه يحصل طبيعياً ويكون عملاً إيجابياً وصادقاً. لكن يصعب التمييز بين الكرم الحقيقي والكرم الزائف من جهة، وبين أسباب أعمالنا الصالحة الواضحة ومنافعها اللاوعية من جهة أخرى.
يكمن الحلّ في الإصغاء إلى عواطفنا. كيف تشعر حين لا تكفّ عن خدمة الأصدقاء والجيران وتعمل لساعات إضافية طويلة ولا تأخذ أي يوم عطلة لإرضاء الآخرين؟ هل هذه هي السعادة بالنسبة إليك؟ إذا كان الوضع كذلك، ما من مشكلة! أما إذا كنت تشعر بالتشنّج والانزعاج وتشكّ في منفعة الأمور التي تقوم بها وبصدق الآخرين معك، من الأفضل التراجع وتخصيص بعض الوقت للراحة تفادياً للدخول في حلقة مفرغة. في جميع الأحوال، لا شيء يبرر المبالغة في الكرم.
يستنزف الجميع طاقاته الجسدية والنفسية وحتى المادية في حياته. كيف يحصل ذلك؟ في العمل، ننزعج عند التفكير ببداية أسبوع عمل جديد. نتيجةً لذلك، تقلّ إنتاجيتنا ويطغى علينا الضغط النفسي. بين أفراد الأسرة، نغضب لأسباب تافهة أو، على العكس من ذلك، نتصرّف بلامبالاة. ثمة حالتان محتملتان للتعبير عن الأزمة التي نعيشها: الثورة التامة، وفي هذه الحالة نمتنع عن تقديم أي شيء إلى الآخر، أو الاكتئاب. يصادف أطباء النفس هذا النوع من ردود الأفعال لدى عدد كبير من المرضى. يكرّس هؤلاء الأشخاص أنفسهم لدعم من يحبّونهم، فلا يعتنون بأنفسهم بل يستنزفون طاقاتهم إلى أقصى درجة. في حال فقدان الشهية، واضطراب النوم، وفقدان الاهتمام بأحداث الحياة اليومية، لا بدّ من التصرّف لمعالجة الوضع.
لا يكمن الحلّ طبعاً في التوقّف عن مساعدة الأبناء "حتى لو قررت التوقف عن تلبية جميع نزواتهم" أو التوقف عن دعم المرضى، بل يجب إقامة توازن بين الاهتمام بالآخر والاهتمام بالذات، من دون إرهاق النفس. يجب التعويض عما نفعله للآخرين من خلال خدمة الذات. في العمل، ثمة أيام مخصّصة للعطلة والراحة. لا يجب التخلّي عنها وتفضيل العمل مطلقاً! ينطبق الأمر نفسه على الحياة الشخصية. مقابل كل عمل يخدم الآخرين، يجب تخصيص فترة معينة للاسترخاء: التنزه، ساعة رياضة مع أحد الأصدقاء، حمّام ساخن ومريح للأعصاب، قيلولة، جلسة تأمّل... من الضروري أن يشعر المرء بالراحة الجسدية والنفسية وباسترخاء عميق. لا ينمّ هذا السلوك عن أنانية بأي شكل. إنه تصرف سليم يساهم في الصمود في وجه تحديات الحياة وضغوطها.
وللتمكّن من الانفتاح على الآخرين، لا بدّ من تخصيص الوقت للذات والاستمتاع بالحياة والتركيز على الحاجات الشخصية! حين يكون المرء مسترخياً، يتحسّن أداؤه في جميع المجالات. لتسهيل الأمور، يجب التعامل بالتساوي مع الذات ومع الآخرين، وبالتالي احترام حاجات الطرفين. يمكن منع الآخر من أداء دور الجلاّد بحقّنا من خلال التخلي عن دور الضحية أو المغلوب على أمره.
تساهم هذه الخطوة في التخلص من الشعور بالذنب، وبالتالي إقامة توازن بين الذات والمحيط، سواء كان الموقف يتعلق بصديق أو شريك أو ابن أو زميل. تساهم العودة إلى الذات في تقويم مسار الأمور والحفاظ على علاقات سليمة مع الآخرين، بالإضافة إلى التحلّي بالشجاعة لتخطّي مرحلة الاكتئاب الذي ينجم عن قلة الثقة بالنفس. إنها الخطوة التمهيدية لأي علاج. بعد الخطوة الأولى، يبدأ المرء بالتواصل مع ذاته وتتّضح الأمور في نظره وتتراجع حاجته إلى التصرّف بأنانية. ليس الهدف من هذه المقاربة تركيز الاهتمام على الذات للشعور برضى فوري أو الانعزال عن الآخرين. يجب الإصغاء إلى الذات والاستمرار بالتواصل مع الآخرين للحفاظ على رابط إيجابي معهم. إنها الطريقة الوحيدة لضمان سعادة دائمة.
بعد اكتشاف الأسس السليمة لمعالجة الوضع واستعادة طعم الحياة الجميلة والثقة بالنفس، يحين الوقت لاستئناف التواصل مع الآخرين. ما هو شعورك حين تهتمّ بمصلحتك قبل كل شيء أو ترفض خدمة الآخرين مع أنّ الأمر لا يتعارض مع راحتك؟ قد تشعر براحة آنية، لكنّ الوضع لا يعبّر أبداً عن رضى عميق. يمكن تخطّي هذا التخبّط في المشاعر من خلال تجنّب الرفض القاطع في جميع المناسبات.
يمكنك الموافقة على تقديم خدمة بحسب شروط معينة. هكذا يشعر المرء بقوة أكبر ويخرج من وحدته ويكسب من جميع النواحي.
صحيح أيضا من قال "أحب نفسك أولا، لكي تحب الآخرين"، ولكن لحب الذات حدود، يجب ألا تتعدى ما هو متعارف عليه في المجتمع، حب الذات من أجل تعلم حب الآخرين، يختلف كثيرا عن الأنانية التي تتركز على حب الذات ونبذ الآخرين، أو إهمال حقوقهم المساوية لحقوق الآخرين. وحب الذات الصحي يختلف عن حب الذات المرضي، وهو بالضبط ما سنلقي الضوء عليه؛ لأن الكثيرين مازالوا حائرين للإجابة عن سؤال، فيما إذا كانت الأنانية مرضا بالفعل أم هي سلوك متأصل أو مكتسب.
في دراسة اجتماعية لقسم العلوم الإنسانية في جامعة "يونيبان"، في مدينة ساو باولو البرازيلية، أوضح معدو الدراسة من أساتذة مختصين بالعلوم الإنسانية، أن الأنانية يمكن أن تكون مرضا، ومرضا خطيرا، إذا خرجت عن الحدود المألوفة لحب الذات، وتمحورت الشخصية على الذات فقط، وقد يظهر ذلك بشكل أوضح على المرأة.
وقد جاء في هذه الدراسة أن حب الذات صفة طبيعية موجودة عند كل إنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، وهذا ضروري لمعرفة كيفية حب الآخرين، والباحثون لا يستنكرون أن تحب المرأة مصالحها وبيتها وعائلتها وأولادها، لكن للأنانية صفاتها المختلفة، فهي تعني التمحور على الذات، ونفي وجود الآخرين، والأمر يصبح خطيرا جدا عندما يصل حب الذات إلى هذه المرحلة، فالمرأة تحب نفسها لأنها موجودة مع الآخرين في مجتمع، ولكن من الأنانية أن تعتقد أنها الوحيدة الموجودة، والوحيدة التي يجب أن تحدد تصرفات الآخرين، والوحيدة التي تملك حق توجيه الآخرين، طبقا لنزعاتها الشخصية.
كما أكدت أحدث الدراسات التي أجريت بجامعة ميامي الأمريكية أن الطفل يكتسب صفة الأنانية من والديه عن طريق أسلوب التربية الذي يلعب دورآ كبيرآ في تنمية هذه الصفة بعيدآ عن الجينات الوراثية??، فردود أفعال الآباء تجاه بعض تصرفات أبنائهم وتلقي الطفل العادات الخاطئة في الأعوام الأولي يؤثر سلبآ على شخصيته خاصة في عامه الثاني.? 






Post a Comment

0 Comments